مقدمة العدد -1- من جريدة هنا و الآن

Publié le par fibra


                                                          كلمة العدد الأ ول                                                                                                               

 

                                       لماذا هذه الجريدة ؟

 

سؤال قد يطرح نظرا للعدد الكبير من الجرائد اليومية و الأسبوعية و غيرها التي تصدر بالمغرب فهل لازلنا في حاجة لجرائد أخرى ؟

نعم هنا و الآن في الجنوب نحتاج للكثير : للجرائد , للمركبات الثقافية للمسرح , للأندية السينمائية, للقاعات , لتنظيم الندوات... نحتاج بكلمة واحدة لثقافة الإنصات كي ندرك الأسئلة التي يطرحها المجتمع , حتى لا نطرحها بالنيابة عنه, و نسقط على الواقع رغباتنا و نوجهه لتحقيقها عبر طرح أسئلة مغلوطة تناسب وضعنا كنواب عن المجتمع , نتحدث باسمه , و نطرح أسئلتنا من خلاله و على حسابه.

فالموضوعية تقتضي أخذ مسافة نقدية تجاه الواقع الموضوعي , بالكيفية التي تدرك فيها وضعك و تمارس الصراع من موقع تدركه من خلال الممارسة النقدية لواقع أنت جزء منه . بالمسافة النقدية و الإنصات , و حين نبتعد عن رسم نماذج جاهزة و العمل على تنظيم الواقع على مقاسها , نستطيع أن نبلور الأسئلة الحقيقية . إلى حين تبقى الأسئلة غير واعية في ظل الأزمة نظرا لغياب السؤال الفلسفي في إطار مشروع فكري – ثقافي مجتمعي , يؤسس برؤية واعية وواضحة لممارسة سياسية مستندة على العقل و الحرية هنا و الآن . فالكتابة و التعبير بشكل عام يقتضيان التحرر من الخوف و من كل وصاية , بما أن الفكر لا يكون قوة مادية فاعلة – إيجابية و فعالة إلا إذا كان صادقا و جريئا . لا يحرف مسار منطقه و لا يكون تحت الطلب وفقا لمنطق السوق.

تعتبر هذه الجريدة جوابا لضرورة اجتماعية , تاريخية و ثقافية . لم تأت إلا لان فراغا ما يجب ملؤه . فالساحة الثقافية لا توفر للقارئ – برأينا- جميع أشكال و أنواع النشاط الفكري . أو بلغة أخرى , لان هناك إقصاء لفكر و لنظريات ساهمت و تساهم في تقدم الفكر البشري , و كذلك تجاهل أو تناسي تجارب أنجزت أو حاولت أن تنجز فيها الإنسانية مجتمعا أفضل فالتاريخ يعلمنا الكثير .تريد هذه الجريدة إنصاف هذا الفكر و إعطائه وفق قدراتها المساحة اللائقة به في مجال اشتغالها دون إقصاء أية نظرية أو فلسلفة تنحو منحى تقدميا و يسكنها الهم في إطار الانشغال بقلق الأسئلة الحقيقة – غير المزيفة –التي تطرحها و تستفزنا بها يوميا قضايا هذا المجتمع و المجتمع العالمي بشكل عام.

تريد هذه الجريدة / التجربة أن تستفيد و تنير طريقها بكل الإسهامات المتنورة التقدمية عبر التاريخ المشرق في التجارب الإنسانية , كما تريد كذلك من خلال تقنيات المناهج العلمية عبر المشاركة و الملاحظة و المقابلات إلى غير ذلك من تقنيات المناهج العلمية داخل السوسيولوجيا و العلوم الإنسانية و الاجتماعية , تريد أن تحسن الإنصات و تفهم كيفية اشتغال اليومي , مسلحة بالعقل العلمي الذي يشترط النزاهة و الموضوعية و الصدق , و يحترم اللاعقل لأنه موجود فينا و معنا يوميا . إذ تساهم بداهته في تهميشه وعدم الاعتراف به . إنها جريدة يعتبر علم النفس من بين مرجعياتها الأساسية , إذ لا يمكن أن نتحدث عن مجتمع بدون أفراد كما يستحيل وجود أفراد خارج المجتمع . هذه العلاقة الجدلية بين الفرد و المجتمع و بين علم النفس و الاجتماع خارج منطق الهيمنة و الإقصاء بدوافع أيديولوجية و سياسية هي التي تسمح لنا بان نرى من منظور آخر مختلف بل نقيض إلى كل الأمور .

يعني أن لاوجود لفكر خارج أرضية اجتماعية تعين له محددات يرتبط بها في أسئلته و أجوبته. فالسؤال العلمي و الأيديولوجي شيئان مختلفان . الأول مغامر يطرح للاكتشاف و التجديد و التغيير . فكل جديد ثورة . و الثاني تبريري محدد سلفا من قبل جواب سيفضي إليه , مكتفيا بالحفاظ على القديم و يحارب كل جديد.

غير أن إمكانية وجود علم أو علوم مستقلة في أسئلتها و اختراعاتها لا يعني أن العلم يتمتع باستقلالية مطلقة في مجال اشتغاله , فهو كذلك موجه أيديولوجيا و سياسيا بل و عسكريا. فما معنى الصناعة الحربية؟

فالعلم يستغل لأغراض لا تخدم مصالحه و أهدافه . هكذا نرى أن العلم يجب أن يتحرر من التبعية و الاستغلال لينسجم مع همومه و أسئلته .

كما نرى أن الاختصاص أو التخصص ليس إلا مسالة إجرائية منهجية. فالظاهرة الاجتماعية لها أبعاد متعددة تستدعي دراستها تداخل العلوم الاجتماعية و الإنسانية و كسر الحدود فيما بينها للمساهمة في الفهم و التفسير و التغيير , من اجل بناء فرد و مجتمع جديدين , فرد لم يعد بحاجة لمشعوذين و لا لدجالين و لا لديماغوجيين و لا لسياسيين و لا لعلماء النفس حتى .

فرد سوي منتج خلاق و مبدع و مجتمع منظم متكافئ و حر.

" هنا و الآن" -   يونيو2004

 

 

Commenter cet article